ٱتْبَعْنِي
«فَقَالَ لَهُ: ٱتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ.» (مَتَّى ٩: ٩)

تَخَيَّلْ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَقِفُ أَمَامَكَ، وَيَمُدُّ يَدَهُ إِلَيْكَ.
َلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ:
«ٱتْبَعْنِي.»
وَفَجْأَةً، تَجِدُ نَفْسَكَ أَمَامَ ٱخْتِيَارٍ—وَلَيْسَ ٱخْتِيَارًا سَهْلًا كَمَا قَدْ يَبْدُو—إِمَّا أَنْ تَخْطُوَ خُطْوَةً إِلَى ٱلْأَمَامِ، وَتُسَلِّمَ حَيَاتَكَ بِأَكْمَلِهَا لِذَاكَ ٱلَّذِي يَدْعُوكَ، إِلَى طَرِيقٍ غَيْرِ وَاضِحٍ وَمَلِيءٍ بِٱلْمَجْهُولِ، أَوْ أَنْ تَتَرَاجَعَ إِلَى ٱلْوَرَاءِ، وَتَبْقَى فِي رَاحَةِ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ لَدَيْكَ. فَذَاكَ ٱلطَّرِيقُ «ٱلْمَأْلُوفُ» يَبْدُو أَكْثَرَ أَمَانًا، وَأَسْهَلَ، وَأَكْثَرَ قَابِلِيَّةً لِلتَّوَقُّعِ، لَكِنَّهُ، فِي ٱلنِّهَايَةِ، يَحْرِمُكَ مِنِ ٱخْتِبَارِ كُلِّ مَا يَشَاءُ ٱللّٰهُ أَنْ يَصْنَعَهُ فِيكَ وَمِنْ خِلَالِكَ.
فَٱتِّبَاعُ ٱلْمَسِيحِ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا دَعْوَةً إِلَى ٱلْيَقِينِ؛ بَلْ كَانَ دَعْوَةً إِلَى ٱلثِّقَةِ.
فَهَلْ تَقْبَلُ هَذِهِ ٱلدَّعْوَةَ؟
حَتَّى وَإِنْ بَدَا ٱلْمُسْتَقْبَلُ مَحْجُوبًا عَنْ عَيْنَيْكَ، وَٱلطَّرِيقُ أَمَامَكَ غَيْرَ وَاضِحٍ، هَلْ سَتَظَلُّ تَتْبَعُهُ؟ حَتَّى لَوْ قَادَتْكَ ٱلرِّحْلَةُ إِلَى أَمَاكِنَ لَمْ تَخْطُرْ لَكَ عَلَى بَالٍ؟ وَحَتَّى لَوْ بَدَا ٱلطَّرِيقُ ضَيِّقًا، وَغَيْرَ مَأْمُونٍ، وَمُمْتَلِئًا بِتَحَدِّيَاتٍ لَمْ تَرَهَا بَعْدُ؟
هَلْ سَتَثِقُ بِذَاكَ ٱلَّذِي يَعْرِفُ ٱلْوِجْهَةَ، حَتَّى وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَى ٱلْخُطْوَةَ ٱلتَّالِيَةَ؟
أَمْ سَتَبْقَى فِي دَائِرَةِ رَاحَتِكَ؟ مُتَمَسِّكًا بِمَا هُوَ مَأْلُوفٌ، وَبِمَا تَظُنُّ أَنَّهُ تَحْتَ سَيْطَرَتِكَ؟
أَعْلَمُ… لَعَلِّي تَرَكْتُكَ ٱلْآنَ أَمَامَ أَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ تَدْعُوكَ إِلَى ٱلتَّأَمُّلِ.
نَحْنُ جَمِيعًا نَرْغَبُ أَنْ نَقُولَ: «نَعَمْ» فِي لَحْظَةٍ! وَنَشْتَهِي أَنْ نَخْطُوَ تِلْكَ ٱلْخُطْوَةَ بِكُلِّ تَسْلِيمٍ وَثِقَةٍ… لَكِنَّ ٱلْحَقِيقَةَ هِيَ أَنَّنَا نَخَافُ. نَخَافُ مِنَ ٱلْمَجْهُولِ. نَخَافُ أَنْ نُنْكِرَ أَنْفُسَنَا، وَأَنْ نَتَّخِذَ تِلْكَ ٱلْخُطْوَةَ ٱلْمُؤْلِمَةَ بِتَرْكِ حَتَّى ٱلْبَرَكَاتِ ٱلَّتِي وَضَعَهَا ٱللّٰهُ بِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِنَا… لِكَيْ نَتْبَعَهُ.
هُنَا يَبْدَأُ صِرَاعُ كَثِيرِينَ مِنَّا.
فَكَيْفَ نَجِدُ ٱلْقُوَّةَ لِنَتْبَعَهُ بِتَسْلِيمٍ كَامِلٍ، وَنَحْنُ مَا زِلْنَا نَتَشَبَّثُ بِرَغَبَاتِنَا، وَطُمُوحَاتِنَا، وَتَعَلُّقَاتِ قُلُوبِنَا؟ وَعِنْدَمَا نَفْتَحُ أَعْيُنَنَا حَقًّا، وَنَبْدَأُ أَنْ نَرَى بِوُضُوحٍ، نُدْرِكُ أَنَّ ٱلِاخْتِيَارَ ٱلْمَوْضُوعَ أَمَامَنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ مَا نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ أَنْ نَتْرُكَهُ… بَلْ هُوَ: مَنْ نَثِقُ بِهِ بِمَا يَكْفِي لِنَتْبَعَهُ..
ٱلثِّقَةُ.
هَذَا هُوَ جَوْهَرُ ٱلْأَمْرِ كُلِّهِ.
فَهَلْ نَثِقُ أَنَّ ٱلَّذِي يَدْعُونَا هُوَ أَيْضًا ٱلْأَمِينُ ٱلَّذِي سَيَقُودُنَا؟
فَمَا دُمْنَا نُحَاوِلُ أَنْ نَعِيشَ بَيْنَ وَلَاءَيْنِ مُتَنَافِسَيْنِ، سَيَبْقَى قَلْبُنَا مُنْقَسِمًا. وَسَنَجِدُ أَنْفُسَنَا مُمَزَّقِينَ بَيْنَ ٱتِّجَاهَيْنِ مُتَعَاكِسَيْنِ، غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى ٱخْتِبَارِ ٱلسَّلَامِ ٱلَّذِي يَنْبَعُ مِنَ ٱلتَّكْرِيسِ ٱلْكَامِلِ لِلّٰهِ.
لَكِنَّ ٱلْأَمْرَ يَصْبِحُ أَسْهَلَ بِكَثِيرٍ…
عِنْدَمَا نُدْرِكُ مَنْ هُوَ حُبُّنَا ٱلْأَوَّلُ ٱلْحَقِيقِيُّ.
فَعِنْدَمَا يَصِيرُ ٱلْمَسِيحُ هُوَ حُبَّنَا ٱلْأَوَّلَ، يَبْدَأُ ٱلصِّرَاعُ بَيْنَ ٱلْعَالَمَيْنِ أَنْ يَفْقِدَ قُوَّتَهُ. وَرُبَّمَا يَبْقَى ٱلطَّرِيقُ مُكْلِفًا، لَكِنَّهُ يُصْبِحُ وَاضِحًا. فَعِنْدَمَا نَخْتَارُهُ، نَكْتَشِفُ أَنَّ ٱلشَّبَعَ ٱلْحَقِيقِيَّ لَا يُوجَدُ فِي ٱلتَّمَسُّكِ بِمَا لَدَيْنَا، بَلْ فِي أَنْ نُسَلِّمَ كُلَّ شَيْءٍ لِذَاكَ ٱلَّذِي سَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِنَا.
تِلْكَ هِيَ…ٱلنِّعْمَةُ.
«إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِي وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ، وَيَتْبَعْنِي.»– مَتَّى ١٦: ٢٤

لِأَنَّهُ أَحَبَّنَا، مَنَحَنَا نِعْمَتَهُ. فَمَا كَانَ يَبْدُو يَوْمًا فَوْقَ طَاقَتِنَا، يُصْبِحُ أَخَفَّ فِي حُضُورِهِ. وَمَخَاوِفُنَا تَهْدَأُ بِسَلَامِهِ. وَجِرَاحُنَا تَلْتَئِمُ بِلَمْسَةِ مَحَبَّتِهِ. وَمَا كُنَّا نَظُنُّهُ خَسَارَةً، يُصْبِحُ ٱلْمَكَانَ ٱلَّذِي نَكْتَشِفُ فِيهِ مَحَبَّةً أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِنْ كُلِّ مَا تَرَكْنَاهُ.
فَكَيْفَ لَا نَتْبَعُ مَنْ نُحِبُّهُ؟
فَٱلَّذِي نَطَقَ فَكَانَتِ ٱلْخَلِيقَةُ، يَعْرِفُنَا بِأَسْمَائِنَا. شَكَّلَنَا بِقَصْدٍ، قَبْلَ أَنْ نَأْخُذَ أَوَّلَ نَفَسٍ. وَحِينَ ضَلَّتْ قُلُوبُنَا، لَمْ يَتْرُكْنَا، بَلْ فَتَحَ لَنَا طَرِيقَ ٱلرُّجُوعِ إِلَيْهِ.
وَعِنْدَمَا نَبْدَأُ أَنْ نُدْرِكَ وَلَوْ قَدْرًا يَسِيرًا مِنْ عُمْقِ هَذِهِ ٱلْمَحَبَّةِ، تَبْدَأُ تَضْحِيَاتُ ٱلتَّلْمَذَةِ أَنْ تَأْخُذَ حَجْمَهَا ٱلْحَقِيقِيَّ. فَٱلْأَشْيَاءُ ٱلَّتِي كُنَّا نَخَافُ أَنْ نَفْقِدَهَا، لَمْ تَعُدْ تَبْدُو كَمَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ. لَيْسَ لِأَنَّهَا بِلَا قِيمَةٍ، بَلْ لِأَنَّنَا وَجَدْنَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا بِمَا لَا يُقَاسُ.
أَمَّا ٱلَّذِي يَدْعُونَا أَنْ نَتْبَعَهُ، فَهُوَ يَسِيرُ مَعَنَا فِي كُلِّ خُطْوَةٍ. هُوَ قُوَّتُنَا حِينَ نَضْعُفُ، وَمَلْجَؤُنَا فِي كُلِّ عَاصِفَةٍ، وَصَخْرَتُنَا ٱلثَّابِتَةُ حِينَ يَهْتَزُّ كُلُّ مَا حَوْلَنَا. وَبَيْنَمَا نَعْبُرُ رِحْلَتَنَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ، يُعِدُّ لَنَا وَطَنًا أَبَدِيًّا، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ ٱلْحُزْنُ إِلَى فَرَحٍ، وَلَا يَبْقَى لِلْأَلَمِ مَوْجُودٌ، وَتُوضَعُ كُلُّ ٱلْأَثْقَالِ ٱلَّتِي حَمَلْنَاهَا بِٱلْإِيمَانِ. وَهَذَا ٱلرَّجَاءُ هُوَ ٱلَّذِي يَمْنَحُنَا ٱلشَّجَاعَةَ لِنُوَاصِلَ ٱلسَّيْرَ وَرَاءَهُ، عَالِمِينَ أَنَّهُ مَعَنَا ٱلْآنَ، وَأَنَّهُ سَيَقُودُنَا بِأَمَانٍ حَتَّى نَبْلُغَ وَطَنَنَا ٱلْحَقِيقِيَّ.
كَثِيرًا مَا تَأْتِي دَعْوَةُ ٱلْمَسِيحِ: «ٱتْبَعْنِي» فِي أَبْسَطِ لَحَظَاتِ ٱلْحَيَاةِ؛ مِنْ خِلَالِ أَنْ نَغْفِرَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا، وَأَنْ نُحِبَّ مَنْ يَصْعُبُ عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّهُ، وَأَنْ نَخْتَارَ ٱلتَّوَاضُعَ عِوَضًا عَنِ ٱلْكِبْرِيَاءِ، وَأَنْ نَمُدَّ يَدَ ٱلْعَوْنِ لِمَنْ يَحْتَاجُ، وَأَنْ نَنْطِقَ بِكَلِمَاتِ تَعْزِيَةٍ وَرَحْمَةٍ، أَوْ أَنْ نَخْدِمَ فِي ٱلْخَفَاءِ دُونَ أَنْ نَنْتَظِرَ مَدْحًا أَوِ ٱعْتِرَافًا مِنْ أَحَدٍ.
فَكُلُّ عَمَلِ مَحَبَّةٍ، وَرَحْمَةٍ، وَغُفْرَانٍ، وَخِدْمَةٍ، هُوَ ٱسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَتِهِ، وَكَأَنَّنَا نَقُولُ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: «نَعَمْ يَا رَبُّ… سَأَتْبَعُكَ.» وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ وَرَاءَهُ، يُشْرِقُ نُورُهُ فِينَا، وَيَدْعُونَا كُلَّ يَوْمٍ أَنْ نَثِقَ بِهِ أَكْثَرَ، وَأَنْ نُحِبَّ بِسَخَاءٍ أَعْظَمَ، وَأَنْ نُسَلِّمَ لَهُ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ، حَتَّى نَصِيرَ أَكْثَرَ شَبَهًا بِهِ.
«أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ.»– يُوحَنَّا ٨: ١٢


Comments